بـيـئـة الأدب الجـاهـلـي
الـنـاحـيـة الاقـتـصـاديـة

تقديم
لقد حاولت اعتمادا على عدد من المراجع ، منها :
- في الجاهلية وصدر الإسلام لبطرس البستاني
- مقدمة القصيدة العربية لحسن عطوان
- دراسات في تاريخ الدولة العربية لعبد العزيز سالم
- العصر الجاهلي لشوقي ضيف
- شرح المعلقات للزوزني
أن أقوم بعملية مزدوجة لتلافي الخلط من جهة ، والسقوط في سرد الأحداث باستطراد من جهة أخرى ، فتوخيت الاختصار اعتمادا على ملء خريطة شبه الجزيرة العربية بالمراكز الاقتصادية الهامة ، وما بها من عمد اقتصادي ، زراعة ، وصناعة ، وتجارة داخلية وخارجية . و في لجانب الآخر حررت عرضا موجزا اعتمدت فيه الخطوط العريضة للمناطق المذكورة رسما على الخريطة ، مع بعض التوضيحات ، والاستشهادات من آراء المؤرخين ، والرواة ، والأشعار كسند وحجة .
إشكالية تحديد العصر الجاهلي
1- فإذا كان الأدباء في بحثهم للأدب الجاهلي لا يتسعون في الزمن ، ويأخذونه برأي الجاحظ " يكون الشعر العربي الجاهلي صغير السن ، يبتدأ من امرىء القيس ، فإن التحديد الزمني لا يتغلغل في أكثر من مائتي عام ، وعند البعض قرنا ونصف من البعثة النبوية " فإن داسة الوضعية الاقتصادية لهذا الأدب " الشعري " فيه إجحاف إذا اقتصرنا على هذا التحديد ، باعتبار أن الواقع الاقتصادي لمرحلة تاريخية معينة تحمل في طياتها مخلفات ومهارات ، وجذور المراحل السابقة . وهذه الإشكالية طرحت نوعا من التداخل والخلط ، ولا زالت في الدراسات .
2- الاشكالية الثانية التي تعترض الناحية الاقتصادية الجاهلية - كما اعترضت الشعر- هي التساؤل التالي :
هل نقتصر على ما وصلنا من الأشعار وأخبار العرب فقط ، وهذا فيه شيء من الغموض التاريخي ؟ أم نوسع ذلك إلى ما أوردته كتب اليونان ، وأخبار البزنطيين ، والفارسيين ... وما توصّل إليه علماء الآثار ؟
3- الإشكالية الثالثة التي تعترضنا أيضا هي : هل نأخذ التراث الشعري الجاهلي الذي وصلنا لدراسته واستقرائه ، والوقوف من خلاله على الحياة الاقتصادية بالرغم من قلته ، وصغر سنه ؟ أم نأخذ علم التاريخ الاقتصادي أصلا عمليا ، وربطه بالشعر كفرع ومصدر له للوقوف على العلاقة الموجودة ، والوقوف على ما كان ؟ هذه أسئلة مطروحة تستوجب التمحيص . وفي رأيي ، لن يكون الأدب ( والشعر خاصة ) متمما للعلاقات ، ولا انعكاسا لواقع فحسب ، بل يسمو بكل هذا إلى إبداع للتأريخ ، وتحديد الانتماء بكل أنواعه .
أقـسـام الـجـزيـرة العـربـيـة
يقسم العرب مدائنها إلى خمسة :
1- تـهامـة : تقع بين مكة وصنعاء .
2- نجد : حددوها من بادية السماوة إلى الدهناء في الجنوب ، أي : من أطراف العراق شرقا إلى الحجاز غربا . فما ولى العراق سمي نجد
xxxxة ، وما ولى الحجاز وتهامة سمي نجد العالية .
3- الحجاز : فمدنه تحدده ، ومنها : المدينة والطائف وخيبر وفدك والجار وتيماء .
4- العروض: وتشمل اليمامة والبحرين وما والاهما . ( ياقوت الحموي ) . فاليمامة سميت قدما جوّا عندما نزلتها طسم وجديس ، وهما من القبائل العربية البائدة . وسميت باليمامة نسبة إلى بنت سهم بن طسم ، فكانت قاعدتها في القديم مدينة حجر . أما البحرين فقاعدتها هجر ، وقصبة هجر ( الإحساء ) .
5- الـيمـن: تقع جنوب الجزيرة ، ولم تستقر حدودها تاريخيا .قيل : سميت بهذا الاسم لأنها أيـمن العرب ، والأرجح هي يـمنات الواردة في نص يرجع إلى أيام الملك شـمر يـهرعش ، ويمنات من الخير . وإليها أشار القرآن الكريم في سورة سبأ .
ويزيد المؤرخ ابن حوقل :
6- بادية العراق .
7- بادية الجزيرة بين دجلة والفرات .
8- بادية الشام .
الــحــجـاز
الـــطــائــف
الزراعــة :
الطائف من مدن الحجاز ، كان يقوم أهلها على الزراعة لوفرة المياه ، فينتجون الحنطة والشعير ، ومن الفواكه العنب والتمر ، وكانت لها شهرة كبيرة ، حيث قال ابن قتيبة نقلا عن ياقوت الحموي : " أما العنب فعليه كانت تعتمد ثروتها الزراعية لوفرة نتاجه ، وكانوا لكثرته يجففونه ، ثم يصدّرونه إلى مكة لمزجه بمياه آبارها ." كما كانت مصيف أهل مكة وتجارها لخفة الحرّ بها .
الــحــرف :
عرفت منذ القدم بالصيد إلى جانب تربية النحل ، وحرفة النجارة .
مـركـز ديـنـي :
فالطائف مركز ديني ثاني بعد مكة ، كان لأهلها بيت يسترونه بالثياب ، ويهدون له الهدي ، ويطوفون حوله ، سمي الــرّبّـة . وهذا البيت به صخرة مربعة تعرف بالــلات .
يــثــرب
الـزراعـة :
اشتهرت يثرب بخصوبة الأرض لوقوعها بين حرتين ، حرّة واقم بالشرق ، وحرة الويرة في الغرب .وتمتاز بكثرة المياه لوجود أودية ، ومنها : - وادي بطحان – وادي رانون – وادي مذينيب – وادي قناة – وادي مهزور . فكان إنتاجهم الزراعي الشعير ، والعنب ، والرمان ، والتمر . ولقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان نوعا من التمر يقال له " الصبحان يفوق تمور غيرها " . أما طعام الأغلبية من الناس كان التمر والشعير ، أما الموسر فكان يشتري لنفسه ، أو يزرع القمح وبعض الفواكه .
الـصـنـاعـة :
كان " ليثرب " صناعة تعتمد على الإنتاج الزراعي ، ومنها : صناعة الخمور من التمر ، والقفف من سعف النخيل ، والنجارة من شجر الطرفاء والأثل ، إلى جانب صناعة الحلي ، وأدوات الزينة ، والأسلحة ، والدروع التي احترفها اليهود في الغالب .
الـتـجـارة الـداخـلـيـة :
نشطت هذه بشكل هام ، فأسواقها في الجاهلية كانت تروّج فيها سلع محلية : النمور والشعير والحطب والصوف والسلاح وأدوات الزينة . ومن الأسواق المعروفة منذ الجاهلية :
- سوق بني قينقاع
- سوق زبالة
- سوق الجسر
- سوق الصفاصف
- سوق البطحاء
وفيها كان بنو سليم يبيعون الخيل ، والإبل ، والغنم ، والسمن ، ويجلبون إلى جانب ذلك زبيب الطائف ، ومنسوجات اليمن ، وحنطة الشام .
مــكــة
قامت في واد غير ذي زرع ، انعدمت بها الزراعة إلا ما يخرج من بعض النباتات التي تسمن المواشي .
الـصـنـاعة:
قامت بمكة عدة صناعات وحرف ، منها :
صناعة الأسلحة ( رماح – سكاكين – سيوف – دروع – نبال ...) . فسعد بن أبي وقاص كان يبري النبال ، والوليد بن المغيرة كان حدادا ، وخباب بن الأرث كان قنا يعما السيوف . وإلى جانب ذلك صناعة القدور ، والجفان ، والصحاف الخزفية ، ومن أولائك أمية بن خلف .كما عرفت مكة صناعة الأسرة والأرائك المصنوعة من الخشب ( عبيدة بن أبي وقاص ) .
الـتـجـارة :
أما التجارة فكانت العمود الفقري حيث كان يعتمد أهلها على البيع والشراء والضرائب التي تجني على القوافل التجارية ، وما كان يتفقه الحجاج في مواسم الحج . فمنذ القرن السادس احتكرت مكة تجارة الهند بفضل زعيمها هاشم بن عبد مناف ، وهو أول من سنّ رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق ، ورحلة الصيف إلى الشام .
فمطرود بن كعب الخز اعي قال :
يا أيها الرجل لمحول رحله * هلا نزلت بعبد مناف
الآخذون العهد من آفاقها * والراحلون لرحلة الإيلاف
ويذكر اليعقوبي : " أن تجارة مكة كانت لا تتعدى مكة ، فكان القرشيون يعانون الضيق إلى أن حلّ هاشم إلى بلاد الشام ، ونجح في عقد معاهدة تجارية ( إيلاف قريش ) مع حكومة بيزنطية ."
وكانت المعاملات التجارية بين العرب والبزنطيين تتم على الحدود السورية ، ولم تسمح بيزنطا لسفن العرب الإقامة إلا في مدن ثلاثة ثابتة : بصرى – عزة – القدس . وترددت بصرى في كثير من أشعار العرب في الجاهلية ، وهي المحطة الأخيرة لقوافل قريش ، والسوق الرئيسية للغلال بالنسبة للحجاز . ومن المعاهدات التجارية ، والمعروفة تاريخيا :
1- عقد هاشم بن عبد مناف ، وهي معاهدات مع أمراء الجزيرة العربية وملوك غسان والحيرة .
2- عقد معاهدة عبد شمس بن عبد مناف مع نحاسيي الحبشة إلا عميدا .
3- معاهدة المطلب بن عبد مناف مع ملوك العراق .
فكانت هذه المعاهدات تسجل على الأديم أو في صحف . ومما ساعد قريش على احتكار تجارة الهند ، والحبشة ، واليمن ، والعراق الحروب المتواصلة بين بيزنطة وفارس ، والتي كانت تسبب في غلق المسالك التجارية عبر آسيا الغربية .
ومن السلع التي كانوا يستوردونها العاج الإفريقي ، والذهب الإثيوبي ، وتوابل الهند ، وحرير الصين ، ولآلئ فارس ، إلى جانب المنسوجات ، والجلود ، والعطور من اليمن .
ومن أثرياء مكة : أبو أحبجة – عبد الله بن جعدان – الوليد بن المغيرة المخزومي – وأبو سفيان ...الخ. فلقد وردت في القرآن الكريم آية في حق الوليد بن المغيرة ، وعمرو بن عمير الثقفي عظمي القرشيين ( مكة والطائف ) ، لقوله تعالى : (( وقالوا لولانزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . )) . وأورد ابن هشام في السيرة سبب النزول .
وبصفة عامة ، فإن الحجاز كان يشقها شريان رئيسي من شريان التجارة العالمية تتفرع منه شرايين تتجه نحو الشرق ، والشمال الشرقي ، وشريان آخر له خطره هو طريق البحر الأحمر ( القلزوم ) المؤدي إلى الهند . فالحجاز جسر يربط الشام بحوض البحر الأبيض المتوسط ، والصومال ، والسواحل المطلة على المحيط الهندي ، فكان لذلك أثر في ظهور مرفأ تجاري هو ثغر الشعبية ، جدة حاليا ، وثغر ينبع مرفأ يثرب .
كما نتج عن اشتغال أهل الحجاز بالتجارة ظهور أسواق مشهورة تقام في الشهر الحرم ، فكانت تضرب فيها الخيام ، فتجمع بين التجارة ، وقرض الشعر ، والتداوي ، ومنها :
- سوق عكاظ بين مكة والطائف .
- سوق مـجـنة أسفل مكة .
- سوق حباشة قرب بارق .
- سوق ذي المجاز قرب عرفة .
ذكر هذا الأزرقي في كتابه أخبار مكة .
ومن الكوارث الطبيعية لمكة ، وأخطرها تعرضها للسيول التي تأتي في فصل الخريف ، وأقدمها سيل قام في زمن الحرهميين ، حيث هدم البيت ، فأعادوا بناءة ، فتكرر ذلك عدة مرات إلى عهد بني أمية .
الــيــمـن :
تعاقب على هذه المنطقة السبئيون ، والمعينيون ، والحميريون إلى أن دخلها الاسلام . وذكرها الله في القرآن بقوله : (( لقد كان لسبأ في مسكنكم آية جنتان عن يمين وشمال ، كلوا من رزق ربكم ، واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور .)) ( سورة النحل ) .
وعرفت عند اليونان ببلاد العرب السعيدة
Arabia Felix لكثرة خـيراتـها ومحصولاتها الزراعية . وقد ذك ابن الفقيه الـهمذانـي : " إنه كان بِـيَحْصًب العلو ثمانون سدّا ."
وذكرها تًبّـع بقوله :
وبالربوة الخضراء من أرض يَحْصًب * ثمانون سدّاً تقلس الماء سائلا
وسميت عند المؤرخين باليمن الخضراء ، فتغنى الكلاعي بها قائلا :
هي الخضراء فاسأل في رباها * يخبرك اليقين المخبرونا
ويمطرها المهيمن في زمان * به كل البرية يظمئونا
وفي أجيالها عزّ عزيــز * يظل له الورى متقاصرينا
وعرفت اليمن قديما بتجارة العطور ، والبخور ، والطيوب ، والمـر ، والصّمغ ، والكافور ، والورس ( الأصمغي ) .
الــزراعـــة :
قامت على السدود ، ومنها سد مأرب الذي أقامه المكرب السبئي سنة 650 قبل الميلاد ، ويعرف بسدّ رجب كذلك الذي أقيم على وادي ذنـة ، وغيرها من السدود ، وهذا الأخير تصدّع في آخر الدولة الحميرية نتيجة الإهمال سنة300 م

. وقامت على هذه السدود زراعة متنوعة من الخضراوات والفواكه ، ويذكر تيوفراست تلميذ أرسطو في كتابه ( تاريخ النبات ) أنواع الطيب ، وكيفية زراعتها في بلاد العرب . كما يذكر تيودور الصقلي بلاد سبأ بقوله : " تفوح في طول البلاد وعرضها روائح عطر طبيعي ، وتنمو على طول الساحل أشجار البلسم والقرفة ..." وأكد نلنيوس هذه المميزات التي خصت بها بلاد اليمن ، واعتبر السبئيين أشهر قبائل العرب في إنتاج اللبان والبخور . ( فيليب حتّي ) .
ويقول الأصمعي : " أربعة أشياء قد ملأت الدنيا ، ولا تكون إلا في اليمن ، الورس ، والكندر ، والخطر ، والعصب ."
- الورس : نوع من النبات يستعمل في الصباغة .
- الكندر : نوع من البخور .
- الخطر : لبن سائل .
- العصب : نوع من النسيج .
الــتــجـارة :
هذه المفتوحات انت تصدّر إلى مصر الفرعونية ، فكان المصريون يستعملون البخور في المعابد ، وتحنيط جثث الموتى ، ويصدرونها أيضا إلى بلاد الهند ، والعراق ، والشام ، فيستوردون لآلئ الخليج الفارسي ، ومن الهند التوابل ، والسيوف .، ومن الصين الحرير ، ومن إثيوبيا ( بلاد افريقية ) العاج والذهب .
فإلى جانب شهرة اليمن وحضرموت بالطيوب ، اشتهرت أيضا بمعدن الذهب ، ولا أدلّ على ذلك إلا ما قاله سيف بن ذي يزن لكسر عند ما طلب منه مساعدة لطرد الأحباش ، فنشر دراهمه على الخدم ، خدم القصر ، قال : ما أصنع بالمال وتراب أرضي ذهبا وفضة ." وذكر الألوسي : " أن معدن عشم ، ومعدن ضنكان باليمن هما معدنا ذهب جليلان ." ( عشم وضنكان من مخلاف إقليم تـهامة . وأشار بن رستة في كتابه ( الاعلاق النفسية ) " إن وفرة الذهب في مأرب " . وذكر الرصاص والفضة والحديد . والرصاص بين فهم وخولان ، والحديد بعدن .
- وذكر ابن حوقل : إن الأحجار الكريمة في جبل بشام ، وفي مخلاف صنعاء .
- ابن حوقل أيضا : " يستخرج الشيب اليماني الأبيض أو ما يسمى حجر الجمست .
- وذكر المقدسي : " أن العنبر يكثر في سواحل عدن وما يليها " .
الــصـناعة :
- صناعة الجلود في ك نجران – صنعاء – جرش – صعدة – وزبيد . ( المقدسي ) .
- صناعة المنسوجات : صنعاء وعدن .
- صناعة الأسلحة : السيوف اليمنية والرماح .
- صناعة الأواني الخزفية : وجود آثار .
- صناعة الحلي : يلخص المقدسي خيرات اليمن بقوله : " اليمن معدن العصائب والعقيق ، والأدم ، والرقيق ، فإلى عمان يخرج ىلات الصيادلة والعطر كله حتى المسك والزعفران ، والبقم ، والساج ، والساسم ، والعاج ، واللؤلؤ ، والديباج ، والجزع ، واليواقيت ، والبنوس ، والنارجيل ، والقند ، والأسكندروس ، والبلور ، والفلفل ، ويزيد عدن بها العنبر ، والشروب ، والدرق ، والجسّ ، والخدم ، وجلود النمر ، وما لو استقصيناه طال الكتاب ."
الـتــجــارة :
فرغم تعاقب السبئيين والمعينيين والحميريين على بلاد اليمن من 650 قبل الميلاد إلى 525  م

. ورغم فترات السطو والمحاولات اليائسة من الرومان ، والفرس إلى سيطرة الأحباس ، فإن الصراع كله كان أساسه اقتصاديا للسيطرة على الطرق التجارية البحرية ، والخيرات الداخلية . ورغم هذا فقد عاشت اليمن عصور ازدهار ، وتم لها بهذا السيطرة على الطرق التجارية البرية الموصلة بين اليمن والشام ومصر ، ورافق القوافل أدلاء وجنود ، وفي كل موطن وجدت بها جالية تجارية يمنية إلا ووجدت معها حامية عسكرية ، فتم لهم بذلك الاحتكاك بآشور سبورية ، وفنيقية ، ومصر ، فاقتبسوا منهم الفنون خاصة معرفة تدوين الحسابات التجارية ، والكتابة ، فاقتبسوا الأبجدية الفينيقية ، ودونوا لغتهم . فاليمن في الجاهلية اكثر بلاد العرب تحضرا ، حيث كثرت بها الحصون والقصور .
- القصور : القصر يعرف بالمحفد ، ومنها : غمذان – تلفم – ناعط – سلحين – مأرب ...الخ .
وإذا تجمعت عدة قصور في منطقة تسمى حلاف ، ويتولى شؤون الحلاف أمير يقال له قــيــل جمع أفيال . وقد أحصى اليعقوبي هذه المخاليف فوجد أنها أربعة وثماثون مخلافا .
- وأشهر قصور اليمن غمذان ، وسلحين ، ويبنون ، وفي هذا قال الشاعر :
هل بعد غمذان وسلحين من اثر * وبعد يبنون يبني الناس بنيانا
ويقول الشاعر ذو جدن الهمذاني :
وغمذان الذي حدثت عنه * بناه مسيّدا في رأس نيق
بـمـرمرة وأعلاه رخام * تحام لا يعيب بالشقوق
مصابيح السليط يلحن فيه * إذا يمشي كترماض البروق
فاضحى بعد جدّته رمادا * وغيّره حسنه لهب الحريق
هذا القصر أحرق في عهد النبي (ص) على يد فروة بن مسيك ، وهدم أيام حركة الردة ، ذكر ذلك الهمذاني في كتابه الإكليل . ولقد شاهد المسعودي آثاره سنة 332 هـ ، ولا زالت الآثار لقصر سلحين والقشب .
الــخــلاصــة
إن عرب الجنوب سيطروا على الطرق التجارية رغم النكسات السياسية والحروب . كانوا وسطاء بين الهند وبلاد العراق ، والشام ومصر، والحبشة ، فنتج عن ذلك الثراء الفاحش ، والمنشآت العظيمة ، وتكاثرت الأطماع وتوالت ، فاشتد الصراع على الرئاسة في الداخل ، والمواجهة الخارجية . كانت حضارة شهد لها التاريخ ، وحفظ الشعر لها ، كما أبانت الآثار عنها .
الــغـساسـنة
من أزد اليمن ، نزحوا تحت قيادة زعيمهم عمر بن عامر من جنوب الجزيرة على بادية الشام قبل وبعد تصدّع سد العرم = مارب .ويسمون آل جفنة وأولاد جفنة . أول ملوكهم جفنة بن عمرو مرتقياء ، وآخرهم جبلة بن الأهيم الذي أسلم وارتدّ . ففي مشارق الشام كانت تسكن الضجاعمة من قبيلة سليح ، فلما نزح الأزد الغساسنة إليهم غلبوهم في حرب ، فحلوا مكانهم . وفي المقابل كانت الحيرة التي تكونت بها مملكة المناذرة على رأسها المنذر بن النعمان ، فكانت حروب متكررة تقع بينهما حول القبائل العربية الضاربة على جانبي الطريق من دمشق إلى تدمر ، كل يدعي أنها خاضعة له ، وأنها تدفع له الجزية ، ولم ينته الصراع بينهما إلا بعد أن قتل المنذر ملك الحيرة سنة 554 م ق/ م

يقول النابغة :
يوما حليمـة كانـا من قديمهم * وعينُ باغ فكان الأمر ما أتـمرا
يا قوم إن ابن هند غيْر تارككم * فلا تكونوا لأدنى وقعة جـزَرا ( حليمة اسم مكان الموقعة ) .
ومن أشعار العرب يمكن معرفة حدود ، وموقع ديار غسان ( بين الجولان واليرموك ) .
قال حسان مادحا جبلة بن الأدهم :
لمن الدار أقفرت بمـعان * بين أعلى اليرموك فالخمان
فالقريات من بلاس فداريا * فسكاء فالقصور الدواني
وللغساسنة حضارة مزدهرة متأثرة بالحضارتين الساسانية والبزنطية ، فالجابية مركز لإمارتهم .
الــزراعــة :
اشتغلوا بالزراعة ، فاستغلوا مياه حوران التي تتدفق من أعلى الجبال ، وعدد حسان من بينها ثلاثين قرية . كما اهتموا بزراعة النخيل ، وأقاموا البساتين ، وإلى جانب ذلك ، اهتموا بالأبنية من قصور ، وأبراج ، وقناطر ، وعلماء الآثار وقفوا منها على قصر المشتى ( ق 5 م ) ، وقصر الطوية ، وأشعار حسان بن النعمان ، والنابغة الذبياني غنية في وصف الغساسنة .
قال حسان يرثي آل جفنة :
اسأل رسم الدار أم لم تسأل * بين الجوابي فالبضيع فحومل
فالمرج مرج الصفرين فجاسم * فديار سلمى درسا لم تحلل
إلى أن يقول :
يمشون في الحلل المضاعف نسجها * مشي الجمال إلى الجمال البزل
الضاربون الكبش بيرق بيضـه * ضربا يطيح له بنان المفصـل
والخالطون فقـيرهم بغنيهـم * والمنعمون على الضعيف المرمل
وقد وصف حسان مجلسا من مجالس جبلة الأيهم أمير الغساسنة :
" لقد رأيت عشر قيان : خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط ، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة ، وأهداهن إليه إياس بن قبيضة ، وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها ، وكان إذا جلس فرش تحته الآس والياسمين ، وأصناف الرياحين ، وضرب له العنبر ، والمسك في صحاف الفضة والذهب ... ولا والله ما جلست معه يوما قط إلا خلع على ثيابه التي عليه ، وفي ذلك اليوم ..."
(من الأغاني للأصفهاني ) .
الــمــنــاذرة
كان تسكنها قبائل عربية هاجرت من اليمن على إثر تصدّع سدّ مأرب ، فبعد الحروب الأهلية في بلاد الفرس ، انتقلت من البحرين إلى مشارف العراق ، وتسمى في الأخبار هجرة التنوخيين . وأول من ملك الأنبار ، والحيرة مالك بن فهم . وتضعف الأخبار إلى جذيمة الأبرش . فقد روى الطبري ، والمسعودي ، وابن الكلبي أخبارا تفصيلية عنه .
فالحيرة كانت عاصمة عربية في الجاهلية ، كانت تزخر بتمعاهد العلم ومدارسه . ففي الحيرة تعلم المرقش الكبر ، وأخوه حرملة الكتابة على أحد لنصارى ، وكان بشر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل يأتي الحيرة فيتعلم الخط العربي .
وذكر ياقوت الحموي أن الصبيان في الحيرة كانوا يتعلمون القراءة والكتابة في كنيسة قرية من قراها اسمها النقيرة . فالخط الحيري أساس الخط العربي ، اشتق من الخط الآرامي . وهذا الخط عرفه عرب الحجاز عن طريق عرب الحيرة قبل ظهور الإسلام بزمن قليل. ( عبد الفتاح عبادة : الخط العربي ) .
وملوك الحيرة كانوا يشجعون الشعراء بالعطايا والصلات . وقد وفد إليها من شعراء الجاهلية المرقش الأصغر ، وعمرو بن قميئة ، والمتلمس ، وطرفة العبد ، وعبيد بن الأبرص ، والمرقش الأكبر ، والمثقف العبدي ، والنابغة الذبياني ، ووليد بن ربيعة ، وحسان بن ثابت ، والنابغة الجعدي ، وعنترة العبسي ، وأعشى قيس ، وعمر بن كلتوم .( الشعر العربي في الحيرة ليوسف رزق ) .
فالحيرة كانت ملتقى علميا لأدباء العرب في قصر الخورنق الذي لا زالت آثاره لحدّ الآن ، ويقيم مهرجانا أدبيا يتظاهر الجميع فيه بالجنس العربي .
الـــزراعــة :
اشتغل أهل الحيرة بالزراعة والرعي لوقوع الحيرة في أرض السواد ، ووقوعها على نهر كافر التي جمعت الحياة البدوية ، وحياة الاستقرار ، فانتشرت مزارع النخيل ، والبساتين ، والجنان .
الــتـجـارة :
اشتغل أهلها بالتجارة ، ركبوا السفن فطافوا البحار إلى الهند ، والصين ، وإلى البحرين وعدن ، فكانت تتدفق على الحيرة الثروات. ففي كتاب الأغاني : " أقاموا القصور واستمتعوا بالحياة ، واستقدموا المغنين والمغنيات ، والصحاف من الذهب والفضة ، وناموا على فرش الحرير فوق أسرة مجللة بالكلل ، واتخذوا الطيوب ، والبخور تحرق في المجامر قبل النوم ." من كتاب الأغاني للأصفهاني .
قال عدي بن زيد :
ثانيات قطائف الحز والديـ بـاج فوق الخدور والأخماط
موقرات من اللحوم وفيها * لطف في البنان والأوسـاط
كما لبسوا مفاخر الثياب ، وشربوا الخمور .
تنفح بالمسك ذفاريهم * وعنبر يقطبه القاطـب
والقز والكتان أثوابهم * لم يجب لهم الصوف جائب
والعز والملك لهم راهن * وقهوة ناجودها سـاكب
الــصــنـاعــة :
نشأت بها صناعات دقيقة :
- صناعة المنسوجات الحريرية والصوفية والكتانية . ويذكر في كتب الأخبار أسماء أزياء أهلها : الساج والطبلسان ، والدخدار ، البلهق ، الشرعية ، السيراء .
والمعروف عن ملوك الحرة أنهم كانوا يخلعون على الشعراء أثوابا تعرف بأثواب الرضا ، وهي جباب أطواقها الذهب في قضيب الزّمرّد ، ومنها ما يسمى ( المزّمل ) .
- صناعة الأسلحة : كانوا ينتجون السهام والسيوف النّصال والرماح .
- كما كانت عندهم صناعة التحف المعدنية من العاج والحلي من الذهب والفضة والجواهر واليواقيت .
فــن الــعــمارة :
تطور عندهم فن العمارة لمحاذاتهم الفرس ، أخذوا منهم ، فطوروه حتى سمي بالبنيان الحيري ، والكمين ، وبقي معروفا في العصر الإسلامي ، واتبع المتوكل العباسي نفس النظام في بناء قصوره . واشتهرت الحيرة بالقصور منها قصر الخورنق ( لا زالت آثاره إلى اليوم ) ، وقصر السدير ، إلى جانب الأديرة والكـنائس ، منها : دير بني مرينا ، وهند الصغرى ، وهند الكبرى وغيرها .
يقول امرؤ القيس :
ألا عيـن بكى لي سنـينا * وبكى لي الملوك الذاهبينا
ملوك بني حجر بن عمرو * سباقون العشية يقتلونـا
فلو في يوم معركة أصيبوا * ولكن في ديار بني مرينـا
الــحـيـاة الـديـنـية :
عندهم هي : الوثنية ، أو الصائبة يعبدون الكواكب ، أو المجوس يعبدون النار ، فكان منهم النصارى واليهود . ومن أصنام الحيرة صنم يقال له ( سبد ) ، وكان منهم من يعبد العزّى .
ومــن خـلال مـا سـبـق يطرح السؤال عما تضمنه الشعر الجاهلي عن نوعية الاقتصاديات ، وما يعكس على الأقل من مصطلحات ومفردات تترجم وجود إنتاج زراعي وصناعي متنوع .
عند امرؤ القيس :
استعمل كلمة المسك والقرنفل في ذكر الطّيـب .
إذا قامتا تَضَوّع المِسْكُ منهما * نَسيمَ الصّبا جاءتْ بِرَيّا الْقَرَنْفُلِ
استعمل ( مرطٍ مُرجّلِ ) ، والمرط عند العرب كساء من خـز من صوف . والمرجّل : المنقش بنقوش تشبه رحالَ الإبل .
خَرَجْتُ بِها أَمْشي تَجُرّ وَراءها * على أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَجّلِ
وظّف كلمة ( السّجَنْجل ) وهي المرآة بلغة رومية عرّبتها العرب ، وقيل تطلق على الذهب والفضة .
مُـهَفْهَـفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ * تَرائِبُها مَصْقولَةٌ كالْسّجَنْجَلِ
وفي وصف المرأة استعمل كلمة ( راهب ) تشبيها ، وهنا الدلالة المعرفية للعصر / ديانة .
تُضيء الظّلام بِالْعِشاءِ كَانّها * مَنارَةُ مُمْسي راهِبٍ مُتَـبَتّـلِ
استعملكلمة ( الْمِجْوَلِ ) ، وهو نوع من الثوب تلبسه الجارية الصغيرة .
إِلى مِثْلِها يَرْنو الْحَليمُ صَبابَةً * إذا ما اسْبَكَرّتْ بَيْنَ دِرْعٍ وَمِجْوَلِ
وظّـف تركيب ( أمْراس كتان ) أي : حبال مصنوعة من الكتان .
فيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَانّ نُجومَهُ * بِأمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَـنْدَلِ
ووظف كلمة ( الْحرث ) ، وفي أصلها : الحرث أي إصلاح الأرض وإلقاء البذور ، أما في البيت فدالة بالاستعارة على الكسب .
كِلانا إذا ما نالَ شَيْئاً أفاتَةُ * ومِنْ يَحْتَرِثُ حَرْثي وَحَرْثَكَ يَهْـزَلِ
ونجد في قصيدة وصف الفرس أيضا طريقة سَحْق الطّيبِ وحبّ الحَنْظلِ .
كَأنّ على الْمَثْنَيْنِ مِنْهُ إذا انْحنى * مَداكُّ عَروسٍ أو صَلابَةَ حَنْظَـلِ
والمقصود بالصّلابة الحجر الأملس الذي يسحق عليه الطّيب وحبّ الحنظل .
وفي طريقة طهي اللّحم قال :
فَظَلّ طُهاةُ اللّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضَجٍ * صَفيفَ شِواءٍ أوْ قَديرٍ مُـعَجّـلِ
أي : أن منضجي اللحم صنفان ، صنف ينضجونه شواء مصفوفا على الحجارة في النار ، وصنف يطبخون اللحم في القدر .
أما طريقة الإنارة / للراهب / فاستعمل كلمة ( السليط ) ، وهو الزيت والذبالة ، أي الفتيلة .
يُضيء سَناهُ أوْ مَصابيحُ راهِبٍ * أمالَ السَّليطَ بِالذُّبالِ الْمُـفَـتِّـل
وفي الغيث والفيضان وأثره على القصور والأبنية قال :
وَتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ * ولا أَطُماً إلاّ مَشيـداً بِجَـنْـدَل
أما ما يفهم من البيت الموالي ، فإن الغيث يحول الصحراء ، فينبت بها الكلأ . كما أن التجارة خاصة تجارة الثياب فمعروفة عند التجار اليمنيين ، ويعرضونها في الأسواق .
وَأَلْقى بِصَحْراءَ الْغَبيطِ بِعاعَهُ * نُزولُ الْيَماني ذي الْعِيابِ الْمُجَـمَّـلِ
وعندهم الفلفل ويمزج بالشراب ، ويستنتج من قوله :
كَأَنَّ مَكاكي الْجواءِ غُدَيَّـةً * صَبُحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ
عــنــد طــرفــة :
وعنده يمكن الوقوف على أنواع من السلع والصناعات . فظاهرة الوشم كانت معروفة وموجودة عندهم باليمامة ، ومن قوله :
لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبَرْقَةَ ثَهْمَـدِ * تَلوحُ كَباقي الْوَشْمِ في ظاهِرِ الْيَـدِ
وفي أنواع الحِلي :
وَفي الْحَيِّ يَنْفُضُ الْمُرْدَ شاذِنٌ * مُظاهِرُ سَمْطَيْ لُؤْلُؤ وَزَبـَرْجَـدِ
في الكُحْـل فنساء العرب تنثر وتذر الأثْـمد على الشفاه واللّثات ...
سَقَتْهُ إيّاةَ الشّمْسِ إلاّ لِثاتِـه * أَسِـفَّ وَلَمْ تَكْـدِمْ بِأَثْـمَـدِ
وفي وصْف الناقة يظهر تأثر العرب بالعمران الروماني ، واستعمالهم مواد بناء معينة في القناطر مثل الآجر ، والصاروج أي : القرمد .
كَقَنْطَرَةِ الرّوميّ أَقْسَمَ رَبُّها * لَتُكْـتَـنَـفَـنْ حتّى تُشادَ بِقَرْمَدِ
وفي وصف الناقة أيضا يشبه طول عنقها عندما ترفعه بذنب سفينة دجلة ، وهو نوع يسمى البوصي .
وَأَتْلَعَ نَهّاضٌ إذا صَعّدَتْ بِهِ * كَسُكَانِ بوصِيٍّ بِدَجْلَـةَ تُصْعِـدِ
سُكان : ذنب
ومن بيت آخر يتبيّن لنا أنه كانت باليمن صناعة الجلود ، ومنه نوع يسمى السّبْت : وهي جلود البقر المدبوغة بالقرْط .
وحَدٌ كَقِرْطاسِ الشّآميّ وَمَشْفَرٌ * كَسَبْتِ الْيمانِي قَدّهُ لَمْ يُجَرّدِ
ومن البيت الموالي نعثر على نوع من الثوب المسمى بالسّحل ، وهو ثوب أبيض من الصوف أو غيره ترتديه الجارية وهي ترقص .
فَذالَتْ كَما ذالَتْ وَليدَةَ مَجْلِسٍ * تُري رَبّها أَذْيالَ سَحْلٍ مُمَدّدِ
أما كلمة الحانوت التي جمعها حوانيت ، فكان يقصد بها بيت الخمّار ، وتطورت معانيها مع العصور .
فَإِنْ تَبْغِني في حَلْقَةِ الْقَوْمِ تَلْقَني * وَإنْ تَقْتَـنِِصْني في الْحَوانيتِ تَصْطَدِ
والقطران أيضا كان معروفا ومستعملا ، تطلى بها البعير فيستلذّ ذلك فيذلّ له .
إلى أنْ تَحامَتْـني الْعَشيرَةُ كُلُّها * وَأُفْرِدْتُ إِفْرادَ الْبَعـيرِ الْمُعَبّــدِ
وحتى لا يطول بنا تعداد أنواع السلع المتداولة ، والأدوات المستعملة بتعداد الأبيات الشعرية من قصائد الشعر الجاهلي ، فلا بأس من القول ما يلي :
1- إن الرأي القائل بأن الشعر الجاهلي سجل تاريخي للعرب رأي صائب لا يترك مجالا للشك .
2- الشعر الجاهلي لا يترجم الوضع الاقتصادي ترجمة حقيقة ، بل يمكن اعتباره أداة مساعدة لاستجلاء بعض السمات العامة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ، ولا يمكن أن ننتظر أكثر من الشعر وإلا فقد جزءا من وظيفته الأساسية .
وخلاصة القول أن العصر الجاهلي بكل مكوناته – والشعر خاصة – لا زال يحتاج إلى بحوث جدية بعيدة عن السرد التاريخي ، والتحليل السطحي لاستيفاء حقه ، وهنا تبقى المناهج الحديثة في الدراسات الأدبية   السند والمعول لتوضيح ما لم يتوصل إليه من سبقوا إلى هذا الميدان ، والاجتهاد لاستجلاء كل المفاهيم والرؤى باستقراء النصوص ، والوقوف على كل

حيثيات ومعطيات العصر

 

F