منَ الْواقع :                                             طفْل ونُكْتةٌ

 

  

   ضمّت الأمّ ابنها بكلّ رأْفة وحنان وهي تتلمّس سبب صراخه . ظهرت على وجهها علامات حيرة واستغراب . حاولت أن تعرف ما ألمّ بابنها الذي لا يتوقّف عن الصّراخ ، فلم تفلح .تتابعت أسئلتها وهي تمسح مخاط أنفه ولعابه ودموعه بكُمّ لباسها البدويّ .

    ألحّ صراخُ الطّفْل على أذن الجارة ، فحرّك عندها بركة حنان الأمومة . لمْ تتأخّر عن الهرولة نحو الباب لتدفعه بقوّة ،وتقتحم المنزل دون استئذان .

  لم تشعر " العالية " إلاّ وهي تجذب الطّفل من بين يدي أمّه فتحتضنه بكلّ قوّة قائلةً في امتعاض :

   -" آشْ درْتي ليهْ ألْغولة ؟ …أخْتي معَنْدكْ قلْب…"

 أجابت الأمّ ونبض قلبها يكاد يتوقّف :

   -" والله أختي مدرتْ ليهْ والو . معْرفتْ آشْ بيهْ ؟ "

   بذلت العالية جهدها لتقف على سرّ بكاء الطّفل . أشربته ماء ، وناولته حلوى دون جدوى. أزالت عباءته باحثة عن خُدوش أو دمل ، أو ما يرشدها إلى سبب كلّ هذا الصّراخ الذي كاد الطّفل أن يغمى عليه لو لم تتدارك العالية الوضْع برشّات ماء على وجهه . مرّت هذه الأحداث وابن العالية واجمٌ واجلٌ ، متمسّك بثياب أمه لا يبرحه . توجّس كلام الطـفل الذي أعجز المرأتين ، فلم تجدا له ناهجَةً . لقد سمع الطـفل الطفـل يكرّر جملة ، قائلاً :

    -" أَعَدّيسْ إنو فاقّسْ …أَعَدّيسْ إنو فاقّاسْ …"

لم يتمالك ابن العالية نفسه حتّى ناكَفَ قرينه مجيباً :

    - " أُلاشْ ينّانْ أَتْشْ أطّاسْ ."

    وجَمَت الأمّ وجارتها عند سماع ما أزال الْغَشاوةَ ، و أوضَح الـنّكارةَ . أسرعتا إلى زجاجة زيْت الزّيتون ، وتعاونتا على دهن بطن الولد وقراءة آيات من القرآن الكريم مشياً على عادة الأمّهات والجدّات . ومنذُ ذلك اليوم أصبح الحدث ولغة الطفل نُكْتةً تتناقلها الألْسنة .

ملحوظة :

   معنى الجملتين بالأمازيغية :

-1) (بطْني ينفجر )

-2) ( من قال لك كُلْ كثيراً)

 

من كتاب أوراق واجناس

الصادر سنة 2003

 

 

TINE