حوار متلفز مع الشاعر الكبير محمود درويش

رحمه الله  

مقدمة :

    بعد تقديم قراءة شعرية  مسجلة  ، ابتدأ الحوار .

س  السيد محمود درويش ، في بعض الأحيان ألا تشعر بأنك تصرخ في فراغ وأنت تتعامل مع السقوط العربي؟

ج : لا شك أنه لا ينجو أي مواطن عربي بالإحساس بالإحباط ، لأن هذا النوع من سقوط القلاع سواء كانت القلاع المادية أو القلاع الأخلاقية أو الإنسانية أو الثقافية ، وليس لها هذا المبرر ، ولا تستدعي كل هذه الوقاحة في الساقطين ، ومع ذلك هناك انفصام شديد في المجتمع العربي بين ما يعبر عنه النظام ، وما يمارسه النظام من تبعية ، من نزعة قمع ، من بداوة تمتطي التكنولوجيا ، ومن افتقار إلى تكوين إنسان أول من جهة ، وبين وحدة القلب العربي الشعبي من جهة أخرى . إن العربي لم يعبّر عن نفسه بشكل حقيقي يتميّز عن الصورة التي يقدّمها النظام عنه لنفسه وللآخر ، فكلما التقيت بالناس العاديين من أفراد الشعوب العربية أفراد الأمة العربية  أسمع نفس الأسئلة بنفس اللغة ، بنفس الحرقة ، وبنفس التوتّر ، وبنفس الغضب ، وبنفس الحرقة نحو تأسيس مشروع بديل ، فهذه الصفات صفات العربي ، وصفات الوعي لدى العرب أينما كانوا في تحديد نقاط الضعف العربي يجعلنا قادرين أن نتفاءل ، على أن نرى أن أزمة العربي بالأساس ليست أزمة حضارية كما يحلو لبعض المفكرين أن يروجوها ، وإنما بالأساس هي أزمة السلطة السياسية .

س : هل الديمقراطية بالعالم العربي ترتبط بأومة الأنظمة فقط ؟

ج : الديمقراطية  هي ‘إحدى الأزمات ، والكلام عنها كثير ينظر إليها البعض كأنها حل سحري ، في البرلمان نقول يقرر البرلمان ، وأن القضية ستحلّ . لا ، الديمقراطية ما في شك هو المفهوم الأكثر قداسة الآن ... وفي كل العالم ، ومن العار أن يبقى العرب خارج هذا المفهوم ، ولكن مشكلتنا الوحيدة ليست مشكلة الديمقراطية ، هناك مشكلة التنمية ومشاكل أخرى ، فالديمقراطية طبعا تساعد الوعي العربي ، المشروع العربي على أن يصوغ شكل مصيره ومستقبله بشكل أفضل ، وبشكل أكثر مناعة اتجاه تحديات الحاضر والمستقبل . كما قلت فإجماع الوعي العربي ، والقلب اعربي على تشخيص هذه المشاكل بنفس الطريقة يجعلنا متفائلين بأن العربي ليس مكتوبا عليه أن يخرج طويلا من التاريخ . علينا أن تعترف أننا نحن الآن خارج التاريخ الذي يتم تأسيسه . كل الأسئلة التي تجري في العالم الآن حول النظام العالمي الجديد ، والتاريخ الجديد الذي لا يشمل العرب ، حتى الأنظمة الديمقراطية التي يقدسها الغرب هي لا تشملنا ، ولا الغرب يريد لنا أن نؤسس نظاما ديمقراطيا ، ومن أحد المظاهر حرب الخليج ، هو الطريقة التي ينظر بها الغربي إلى الديمقراطية في العالم العربي ، هم لا يريدون لنا نظاما ديمقراطيا ، هم لا يريدون  نظام حوار متكافئ بيننا وبينهم . كما قلت بأن أملنا الوحيد هو أن هناك انفصاما شبه كامل بين النظام السياسي العربي ، وبين مشاعر وطموحات الجماهير العربية .

س : محمود درويش المواطن والشاعر والسياسي هل هو راض عن النتائج ؟

ج : أعترف بأنني لم أقدّر بأنّ هذا المجلس سيحقق النجاح الذي حققه ، لقد حقق نجاحا أكثر من المتوقع ، فيما يخصّ الاستمرار ، وتعميق وترسيخ الحوار الديمقراطي الفلسطيني بطريقة شبه مثلى . وفي ما يخصّ المسؤولية والجدّيّة  التي تعامل بها الأعضاء مع الأسئلة التي يطرحها علينا الوضع الدولي الجديد ، وتمّ الانتقال التدريجي من الخطاب السياسي القديم ، كنت ألاحظ في خطابنا السياسي شبه غربة أو اضطراب بين الواقع وبين الخطاب ، بين اللغة وبين مكوناته . في هذه الجلسة شعرت بأن هناك شبه إجماع فلسطيني على أن العالم تغيّر . علينا أن نخاطب العالم ونخاطب أنفسنا بطريقة مختلفة نتمكن من التكيف الإيجابي مع شروط الوضع العالمي الجديد . كما قلت ، أولا أن الديمقراطية الفلسطينية قدمت صورة مثلى أخرى عن مدى عمقها في التقاليد وفي الوعي الفلسطيني . ثانيا إن البلاغ السياسي يحمل مظاهر كثيرة للنضج العالي والمسؤولية ، والقلق في الاستمرار في مخاطبة العالم بالطريقة القديمة ، فإن برنامجنا السياسي الذي فتح الباب مفتوحا أمام أي مبادرة سلمية غيجابية تضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية . هذا البيان من الواضح أنه سيظهر للعالم وهو ظلم ، وهو عالم ظالم أن الفلسطينيين ليسوا من العقبة أمام السلام ، ولكن الاحتلال الاسرائيلي ، والعقلية الإسرائيلية ، وتمسك الإسرائليين بما انقرض من إيديولوجيات ، لأننا لا نتكلم الآن عن سقوط الإيديولوجيات ، ويعتقد الإسرائليون أن الصهيونية قد تمّ إحياؤها على حساب الإيديولوجيات . لا ، هذا عصر سقوط الإيديولزجيات بما فيها الصهيونية ، ويحاول الإسرائليون أن يستفيدوا من سقوط الإيديولوجيات لكي يقلوا أنهم يستثنون من هذه الظاهرة ، ... والآن إننا جاهزون ومستعدون لسلام يضمن حقوقنا ، يضمن الانفتاح على الذات وعلى الآخر ، ولكن بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني المقدسة في تقرير المصير والاستقلال الوطني على أرض وطنه فلسطين . فالمجلس الوطني بهذا المعنى يعتبر نقلة نوعية وتجاوبا مبدعا مع الفكر العربي الجديد ، وأنا سعيد جدا في نتائجه ، وأعتقد أننا رمينا الكرة في الملعب الأمريكي ، والملعب الإسرائيلي .

س : وهل تؤمنون أنكم ستربحون في النهاية ؟

ج : ... دائما التاريخ لم تحركه دوافع العدل وحدها ،  مع الأسف القوة مازالت لها رأي ف مسألة الحقّ والعدل ، ولكن علينا أن نتعامل مع العالم بلغة عالية ، أن نلعب بقدر ما نستطيع  ، منتبهين إلى التمسك بالخط الأحمر الذي لا نتجاوزه ، وهو حقنا في البقاء والاستقلال وعدم شرعية الوجود الإسرائيلي على أرض الوطن ، وهذا متوقف إذا ما نتجت عدة عوامل منها :

-        موقف عربي موحد اتجاه هذه المسألة .

-        موقف هيئة دولية موحّد إذا ما حقّ لأحد أن يتكلم باسم أمريكا ، ولكن لا نستطيع أن نتهرب من عملية تجري على مصيرنا . لا نستطيع أن نقول أننا لسنا واثقين من النتيجة ، وأن نقول بأن العملية لا تعنينا ، فالعملية تتعلق بمصيرنا ، فلا نستطيع أن نكون خارج اللعبة حتى ولو كان فيها بعض المخاطر الدبلوماسية المحسوبة .

س : هل يمكن لنا أن نستمع إليكم وبنبرتكم ، ولو لمقطع من مقاطع قصائدكم ؟

ج: سأقرأ بعض المقاطع التي لم يعتد الناس أن يسمعوها مني .  فقرأ  ثلاثة مقاطع من قصيدة : يطير الحمام ، منها :

 يطير الحمام

يحط الحمام

أعدّي لي الأرض كي أستريح

فإني أحبك حتّى التعب

صباحك فاكهة الأغاني

وهذا المساء ذهب

إلى ...

جسمي مقام

تطير الحمام

يحط الحمام

 تدخّل الصحفي : شكرا ، لك شعر مترجم إلى خمسين لغة ، ولك أكثر من عشرين ديوانا .

استماع لمقاطع مسجلة من قصيدة : حاصر حصارك .

س : هل هي صرخة مظلوم ، أم شعور بالخيانة ؟

ج : إنها صرخة شاهد على خيانة ، صرخة شاعر مظلوم على الخيارات العامة من حوله ، صرخة العزلة في أقصى حالات توترها ، إنها صرخة الحصار المضروب من المحاصرين المباشرين ، ومن حصار الصمت العظيم ، الصمت المدوي في ذلك الوقت ، وما زلت أعتقد للأسف أن هذا الحصار ما زال مضروبا على الرغم من كل شيء .

تدخّل الصحفي : لكن يقابل هذا الإحساس شعورا بالاعتزاز والانتماء ؟

ج : الشعور بالظلم والعزلة لا يقتضي أن يشكك في انتمائنا ، وفي ولائنا ، وفي هويتنا ، أحيانا حينما يشتدّ القيض والحصار على المحاصر فإنه يفاخر ويتباهى أكثر بالأسباب التي جعلته محاصرا ، بهذا الحصار يزداد تمسكا بعدالة رسالتنا ، وبجدوى كفاحنا ، وبحتمية وصولنا إلى الحرية ...

س : لو وجد محمود درويش 50 سنة أو 50 قرنا للوراء أو 50 سنة للأمام هل يكون بهذا الحسّ ، وبهذه الشاعرية ؟

ج : هذا سؤال محال على الأقدار ، ولكن الشاعر ابن ظروفه التاريخية . الشاعر ابن زمانه على الرغم من أنه في زمانه يلخّص كلّ الأزمنة الشعرية ، وكل التجارب الإنسانية ، ولكن إذا كنت حيا ، أو موجودا منذ خمسين سنة ... لا أعرف .

الصحفي يقاطع : في الحالتين المتشابهتين ، عندما برى محمود درويش نفسه في المرآة ، أو عندما يطفئ الضوء ويضع رأسه على الوسادة ، كيف يلتقي مع نفسه ؟

ج : عندما أذهب إلى الوسادة أجري محاكمة قاسية مع نفسي ، ماذا فعلت اليوم ؟ كيف قضيت يومي ؟ هل عملت جيدا ؟ هل آذيت  أحدا ؟ ، ويزداد الشعور في محاكمة النفس عما أذعت وعما عملت في ذلك اليوم . في سنواتي الأخيرة أشعر أني قد تقدّمت قليلا في السنّ ، وأشعر أنني لم أقل حتّى الآن ما أريد أن أقول ، وما أخطط لأن أقوله ، ولذلك أدخل نفسي في حالة انضباط كتابية صارمة ، وأشعر أن أخطر ما نفقده هو الوقت ، وأقول  ألا يكفي أن الإسرائيليين سرقوا أرضنا ، وأنهم يسرقون عمرنا ، فأين وجودنا في كل هذه المسألة . ففعلا أنا عندما أذهب إلى النوم أحاسب نفسي ماذا فعلت ؟ وماذا صنعت ؟ وهل أسأت إلى أحد ؟ ولكن عندما أذهب إلى المرآة فلا أحدّق طويلا ، فلا أذهب إلا لأحلق ذقني فقط .

س : ( صحفي آخر من جريدة النهار الجزائرية ) . مساء الخير سأذهب معك في دروب أخرى ربما متشابكة بالنسبة لقارئ أشعارك . صرّحت مرة بأن الكتابة لعبة ، وقد قلت أيضا في مديح الظل العالي ( وتقمّص الأشياء كي تتقمّص الأشياء لعبتك الحراما ) ، هل يمكن أن تفسر لنا حدود هذه اللعبة الخطرة ؟ج : الكتابة لعبة بمعنى أنها ليست دائما عملية تبحث عن الجدوى والفائدة ، والكتابة لعبة بمعنى أن في الكتابة مستوى من المجانية التي تشبه اللعبة ، فالكتابة ليست كلها وظيفة واعية ومكرسة لقول شيء ما في سياق هذه العملية ، وهي أساسية ، هناك جانب مجاني وهو اللعبة . الشاعر أيضا طفل يلعب ، بلعب الصورة ، يصنع قمرا في الكتابة ويلعب به ، ويلعب أيضا باللغة ، فعندما أشير إلى الكتابة /اللعبة أشير إلى الجانب المجاني والبريء في الكتابة .

 تدخّل الصحفي : وهذه اللعبة تهدم فينا شيئا ما ؟

ج : إنها تـهدم فينا صرامة النظام ربما ، إنها فعلا تـهدّم صرامة النظام وتعمل الانضباط والامتثال إلى الوعي الصارم ، ومن هناك تقدم خدمة إنسانية تضيء بعض ضباب ، ما سميته نظام الصعاليك . نعم ، إنها تهدّم شيئا ، ولكن هذا التهديم ليس تـهديـما للذات ، إنه تدمير قصر من الحدود .

س : في استعمال ضمير الغائب ، وفي نهاية الستينات وأنت تخرج من فلسطين ، أحاطوا شعر المقاومة بما أسميه الشفقة ، وكتبت حينها مقالة شهيرة عنوانها ( ارحمونا من هذا الحب القاسي ) ، هل في ظنك أن هذه الصرخة حتى الآن لا زالت صالحة ؟

ج : من الضروري أن نلخص أسباب هذه الصرخة ، وهذا ينسجم مع ما طرحه منذ قليل ( زميلك ) حول صلاحية أو كفاءة الشعر الفلسطيني وقدرته على الحيلة بعد أن تحل القضية الفلسطينية . كان التعامل في الستينات مع الشعر الفلسطيني تعاملا عاطفيا سياسيا ، أي أن العرب صحوا من النوم مكتشفين أن في الأرض المحتلة شعبا عربيا محتلا ينطق بالعربية ، ويكتب باللغة العربية ، ومن هنا كان الترحيب بكل أشكال التعبير التي وردت من هذه الأرض التي كانت مجهولة ، تعبرا ترحيبا احتفاليا ، خاصة أنه جاء بعد هزيمة 1967 ، وكان الوجدان العربي مفتوحا آنذاك لأي تجريح للذات ، فوجدوا في هذا الشعر بديلا للشعر العربي خارج الأراضي المحتلة ، ولم يكن في هذه النظرة ، وهي نظرة ضرورية ومفيدة أن يتعرف إخوتنا العرب على أصواتنا ، ولكن كنت أخشى لهذه النظرة  أن تفتقد لنظرة نقدية ضرورية من أجل أن تتعامل مع هذا الشعر تعامل الكفاءة الشعرية ، وليس فقط تعاملا موسميا تعبر عن تضامن ثم ينتهي ، ونخشى أن ندخل ف السؤال الذي يطرحه الكثيرون ، وهو أن الشعر الفلسطيني سيمتد قوامه الجمالي ، أو رفعته الجمالية من كونه يعبر عن قضية ، وهذا ما خطر ، مع أن بعض الشرائح الفلسطينية يرتكزون بالأساس على عدالة القضية الفلسطينية على حساب المستويات الجمالية للشعر ، وليس هذا صحيحا لأن الشعب الفلسطيني شعب ذو ثقافة عربية عميقة في التاريخ ، ويعبر عن نفسية كل الشعوب ، وينتج شعرا ، وينتج موسيقى ، وينتج مسرحا ، وبالتالي يجب أن نعزل الشروط أو المستويات الفنية والجمالية لأي عمل فلسطيني عن جانب التعاطف السياسي ، أو التعاطف الوطني  أو الإنساني مع هذه القضية ، لأن لكل عربي طبيعة خاصة ، لأنه قد تعبر بتعاطف مع القضية الفلسطينية دون أن تحبّ شعري ، ومن حقّك أن ترفض شعري ، وتحبّ القضية الفلسطينية وهذه مسألة أخرى . وهناك أناس يحبون الشعر الفلسطيني ، ولا يحبون القضية الفلسطينية ، وهنا مسألتان ، ولكن لهما استقلال عن بعضهما البعض . وأنا أرفض أن يلصق الشعر الفلسطيني التصاقا ميكانيكيا ، وأن يرزأ عن النقد فقط لأنه يعبر عن القضية الفلسطينية ، وهذا ليس سببا كافيا . هناك شعوب كثيرة تكتب شعرا وليس بالضرورة لكي نؤيد قضية شعب أن تؤيد كل ما يعبّر عنه ثقافيا . والمسألة يجب أن تميّز بحكم وجود طبيعية خاصة لبشائر العمل الثقافي ، والشعر خاصة .

س : بعد حوالي 25 عاما أصبحت وزيرا للثقافة في دولة فلسطين ، وأنا أسميك شخصيا ممثل الروح الفلسطينية هل كانت استقالتك مجرد استقالة شاعر يبحث عن وقت لقصيدته ، أم رغبة للبقاء خارج خلافات المتاريس ؟

ج : أولا أنا لم أكن  ولن أكون ولا أريد أن أكون وزيرا للثقافة ، ولا وزيرا لأي ... لم أرد وزيرا ، لكن الاخوة في المجلس الوطني الفلسطيني السابق منحوني الثقة بأن انتخبوني عضوا في اللجنة التنفيذية أثناء غيابي ولأسباب وطنية معروفة كان علي أن أمتثل لهذه الرغبة التي رأيت فيها تكريما للثقافة الفلسطينية ، ومنذ ذلك الوقت كنت أعيش لا أقول انفصام شخصية ، أقول حوارا داخليا عميقا بين طبيعتي الشعرية ، وبين طبيعة العمل السياسي حتى ولو كان في صفاء . إن عضويتي في اللجنة التنفيذية هي هوية سياسية ، صحيح أن نشاطي الشخصي والعام مكرس منذ صباي ، ولحد الآن ، ومنخرط في القضية الفلسطينية الوطنية ، ولكني أرى أن هناك تعارضا ما بين طبيعة النشاط الأدبي والشعري خاصة ، وبين الوظيفة السياسية  ، وكنت أتمنى على إخوتي في القيادة الفلسطينية أن يعفوني من هذا المنصب المباشر ، لأني لا أريد ولا أحب أن أكون ذي طبيعة رسمية ، والشعر في رأيي يتنافى مع هذه الطبيعة . طبيعة العمل الشعري طبيعة الشاعر ، والشاعر ليس أن تكتب قصيدة وتمشي . الشعر أن تعيش الحياة الشعرية ، وليس فقط أن تكتب قصيدة ، ليست وظيفة تكتبها وبعدها تولي ظهرك إلى السياسة ، ثم تعود من السياسة إلى الشعر ، والعكس . الشاعر يجب عليه أن يعيش الحياة الشعرية . كيف ؟ لا أعرف كيف . ولكن علي أن أعيش الحياة الشعرية ، ولكن في المرة الثانية في هذا المجلس ، فقد بذلت من الجهود والتوسلات ما أرهقني ، ولكني أيضا واجهت من الضغوطات ما أرهقني ، وأعيد انتخابي للمرة الثانية عضوا في اللجنة التنفيذية .

س : ترشحت كمستقل رغم التنوع السياسي في الساحة ؟

ج : أنا دائما مستقل . لا أنتمي لأي تنظيم أو فصيل فلسطيني ، وأن الإجماع حولي هو إجماع لأني مستقل.  لو كنت تابعا لتنظيم لوقف تنظيم آخر ضدّي ، وإلا لكنت تخلصت من هذا الإجماع .

س : وأنا أقرأ ديوانك (( خطب الديكتاتور الموزونة )) تذكرت الرئيس ... خليل البدري لكارسيا ماركيز المنطقة الأكثر صفاء لكارلوس فينس . في نظرك بما يتميّز الدكتاتور العربي عن دكتاتور أمريكا اللاتينية مثلا ؟

ج : للدكتاتور في كل مكان ، وعبر التاريخ صفات مشتركة ، وقد شرحتها في تلك المحاولات ، وفي المقدمة التي كتبتها على الدكتاتور . الدكتاتور العربي يتميز بصفات قد تكون مضحكة ، وهي أنه لم يكتب حتى الآن عن هذا الدكتاتور العربي ، أي أن هذا العربي لم يكتب حتى الآن عن الدكتاتور العربي ، فعذر الدكتاتور العربي الوحيد عن الدكتاتور الآخر هو أنه غير موجود في النص الأدبي العربي .

س : حيث ما ذهبت حياتك مهددة ، الموساد تطلب رأسك ، مخابرات بعض الأنظمة العربية تطلب رأسك ، هل تشعر بانتصارك في كل يوم آخر تعيشه ؟ كيف تمارس حياتك تحت التهديد ؟

ج : لا أتعايش مع هذا الهاجس . هذا الهاجس مطرود تماما من حياتي ، ولا أخشى أي اغتيال ، وأنا في وضع ، في تجربة ، وفي أحلام ، وفي إحباطات تجعلني مستعدا لاستقبال الموت في أي لحظة ، ومن دون خشية أو تردد . إن تهديدي الوحيد الذي يهددني هو قلبي لأنه حاول أن يغتالني مرة ومرتين قبل بضع سنين ، وأنا أعتقد أن قاتلي الوحيد سيكون قلبي وليس شيئا آخر ، وليس أي جهة سياسية ، علي أن أعيش معه  ، أن أدلّـله ، أن أراعيه ، أن أعتني به . وأنا أتعايش وأتصارع معه بطريقة أطلب منه فيها أن ينبأنـي عن ساعة اغتيالي لكي أعدّ بعض الأوراق .

س : طلبت مرة من " فيزين " نقاشا علنيا في جريدة " لوموند " حسب ما أعتقد ، ولكنه لم يدخل معك في هذا النقاش حول القضية الفلسطينية . في رأيك هل هي مجرد عجرفة صهيونية ؟ أم أن الأكذوبة لا يمكن الدفاع عنها حتى من طرف محترف ك " فيزن " ؟

ج : لا ، أنا لم أطلب حوارا وإن كنت على استعداد لمحاورة أي فكر مشابه لفكر فيزين لأنني أعتقد أن في قضيتنا من العدالة ما يفتح لي باب المناقشة ، وأنا مستعد للمناقشة مع أي طرف  كان . كل ما في الأمر أنني نشرت مقالة في " لوموند " أرد فيها على ما قاله من أنه يشعر بالحزن على الجندي الإسرائيلي لأن هذا الجندي مضطر لأن يطلق النار على الطفل الفلسطيني ، فطبعا حاكمت بقسوة هذا الضمير المشوّه لأنه دعا القراء الفرنسيين لأن يتعاطفوا مع الجندي المضطر للقتل ، وليس مع الضحية ، وقد أوصلني هذا المقال إلى المحكمة ، فأقامت جمعية يهودية فرنسية محاكمة ضدّي ، وتبرّأت منها ، ثمّ استأنفوا الحكم وقد تبرّأت من تهمة العنصرية . تصوّروا  أن الشعر الفلسطيني المعبّر عن الضحيّة الفلسطينية هو المتهم بالعنصرية في أوروبا ، وليس " فيزين " الذي يدعو للتعاطف مع القاتل للفلسطينيين ...

س : سقوط الأيديولوجيات واختلاط المفاهيم ... ؟

ج : الشاعر يتأثر ويصطدم ، ولكن في الشاعر منطقة أسميها منطقة الثبات الإنساني ، أو الثبات الجمالي ، لأن الشاعر يتعامل مع معاني وجوهر لا يتبدل عبر التاريخ والعصور . قد يتبدل التعبير عنه ، قد تتبدّل صورته ، ولكن الشاعر يبقى في مشروعه لتأسيس حياة شعرية أو نظرة شعرية للحياة . أنا لا أرى أن الشاعر مطالب أن يردّ على أي نطور سواء كان إقليميا أو عالميا ، ولكن الشاعر يعرف أيضا أنه لا يستطيع إلا أن يتكيّف مع المفاهيم التي تتغيّر ، ومع الأفكار الجديدة التي تطرح ، ولا يستطيع إلا أن يقاوم محاولة قتل الشعر في الإنسان ، أو محاولة قتل الدور الفردي ، أو الصوت الفردي في هذه المؤسسة العالمية الضخمة التي تريد أن تبتلع ما تبقّى في الإنسان من إنسانية . إن تقدّم الإنسان مهما كان نظرتنا إليه ، مهما كان رأينا فيه ، سواء أعجبنا أو لم يعجبنا هذا الدور الإنساني التاريخي ، هذا التطور التاريخي المتلخّص في التكنولوجيا بالذات ، لا يعفيه تطور في مجال الروح أو في الجانب الأخلاقي ، وبالتالي فإن الشاعر يبقى مرابطا حيث عليه أن يرابط . عليه أن يبقى مدافعا مهما كانت الظروف ، ومهما تغيّرت خريطة العالم ، أو سقطت إيديولوجيات ، أو قامت إيديولوجيات أخرى . عليه أن يبقى مدافعا عن الروح الإنسانية ، عن غد الإنسانية ، عن قبّة الإنسان الفردي الحرّ في أن يعيش ، وفي أن ينخرط ، وفي أن يعبّر عن مشروعه لجعل الحياة شعرا إذا أمكن رغم الحصار والعزلة التي يتعرّض لها هذا المشروع .

س : محمود درويش ، لو لم تكن شاعرا  ماذا تحبّ أن تكون ؟

ج : إن مشكلتي أني لم أجرّب أن أكون شيئا آخر ، لنني تورّطت في هذه اللعبة ، أو في هذه المغامرة في سنّ مبكّر ، وما زلت متورّطا فيها ، ولكن طبعا أحيانا يصيبني الجفاف الشعري ، وهو يصيبني دائما في كلّ سنة أمرّ بمأزق . أريد أن أشكّل قفزة نوعية في علاقتي باللغة ، وفي علاقتي بالمجتمع ، وفي علاقتي بالتاريخ ، وفي علاقتي بالثقافة .  أحاول دائما أن أشكل قفزة في هذه العلاقات ، فطبعا ليست القفزة دائما مضمونة النجاح ، فأمر دائما في مأزق ، وفي إحباط ، وعند ذلك أتمنى لو كنت شيئا آخر ، لو كنت مهندسا مثلا ، أو طبيبا ، ولكن ليس مدرّسا .

قراءة شعرية مسجلة منذ عشر سنوات ( من الأرشيف) .

 هم يحرسون طفولتنا     

ويصكون أسلحة من أساطير    

أعلامهم لا تغنّي               

نـقصفهم بالحروف السمينة

ظ – ص – ق – ق – ع

ضاد – ضاد – قاف – قاف – عين

ثم نقول انتصرنا

وما الأرض ، وما قيمة الأرض

أ تربة و وحول ؟

نقاتل أو لا نقاتل ، ليس مهما سؤالك

ما دامت الثورة العربية محفوظة

في الأناشيد ، والعيد ، والبنك ، والبرلمان .

...الخ

س : هل الشعر لديك قرار ، أم انتصار ، أم انتحار ؟

ج : إذا كان لا بدّ من اختيار إحدى الأجوبة المقفاة ، فالشعر لديّ احتضار وانتحار وانتصار .

س : كلمة بكلمة ؟ لو قلت لك :

الحرية  ـــــــــ هي أن أكون حرّا .

النسيان ـــــــــ هي أن أتحمّل ...

الطفولة ؟ ــــــــ هي أن أجد وطني .

الغربة ؟ ـــــــــ  أن أكتب شعرا .

الثورة ؟ ـــــــــ أن أنتصر .

الدولة ؟ ـــــــــ أن أصبح في المعارضة .

مانديلا ؟ ـــــــــ  هو انتصار العدالة .

 

                      نـقلا عن التلفزة الجزائرية في : 29-09-1991 م بعد انتهاء اجتماع المجلس

                       الوطني الفلسطيني الدورة 19 .

.